مجموعة مؤلفين
329
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
ألم يقل اللّه تعالى : « لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ » ، بكمال شروطها . وقد قال النبي : « من نطق بغير ذكر اللّه فهو لغو » « 1 » . ويظهرنا ابن عربى بعد ذلك على وظيفة إبستمولوجية هامة لرياضة الصمت ، وهي أن « لحال الصمت مقام الوحي على ضروبه ( ومنه إلهام الصوفي ) والصمت يورث معرفة اللّه « 2 » » . وقد اصطنع رياضة الصمت صوفية آخرون كابن سبعين « 3 » ، وهذه الرياضة - على الرغم من أن ابن عربى يجعلها إسلامية المصدر كما رأيت - فإنها كانت من الرياضات المعروفة قبل الإسلام ، فقد ورد ذكرها في قوله تعالى لمريم « فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً ، فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا » . وكانت معروفة كذلك لصوفية المسيحيين مثل القديس يوحنا الصليبى « 4 » . والرياضة الأخرى التي يشير بها ابن عربى على مريديه هي رياضة الجوع ، وهي الركن الثالث من أركان الطريق الإلهى « 5 » . ويظهرنا ابن عربى على أن الجوع جوعان : جوع اختياري وهو جوع السالكين ، وجوع اضطراري وهو جوع المحققين . ذلك أن المحقق لا يجوّع نفسه ، ولكن يقل أكله إذا كان في مقام الأنس ،
--> ( 1 ) النور المظهر ، ص 6 - 7 . ( 2 ) النور المظهر ، ص 7 . ( 3 ) ابن سبعين : مجموعة الرسائل ، نسخة خطية بمكتبة الخزانة التيمورية بدار الكتب ، رقم 149 تصوف ، ص 187 - 188 . ( 4 ) Roger Bastide : Les proble ? mes de la vie mystique , Paris 1931 , P . 52 . ( 5 ) النور المظهر ، ص 8 - 9 ؛ وانظر الفتوحات المكية ، ج 2 ، ص 248 .